الشيخ الطوسي
358
التبيان في تفسير القرآن
لان التمني بمعنى السؤال لا يعرف في اللغة . فان قيل : من أين انهم ما تمنوه بقلوبهم عند من قال : انه معنى في القلب ؟ قلنا : لو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم حرصا منهم على تكذيبه في إخباره ، وجهدا في اطفاء امره . وهذه القصة شبيهة بقصة المباهلة ، وان النبي صلى الله عليه وآله لما دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلة ثقتهم بما هم عليه ، وخوفهم من صدق النبي صلى الله عليه وآله . ومعنى " خالصة " : صافية . يقال خلص لي هذا الامر : اي صار لي وحدي ، وصفا لي يخلص خلوصا وخالصة . والخالصة : مصدر كالعاقبة يقال للرجل هذا خلصاني : اي خالصتي - من دون أصحابي . قوله تعالى : " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " ( 95 ) آية بلا خلاف . اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين قيل لهم : " تمنوا الموت ان كنتم صادقين " بأنهم لا يتمنون ذلك ابدا . قد بينا ان في ذلك دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله من حيث تضمنت انهم لا يتمنون ذلك في المستقبل . وكان كما قال . وقوله : " ابدا " نصب على الظرف : اي لم يتمنوه ابدا طول عمرهم . كقول القائل : لا أكلمك ابدا ، . وإنما يريد ما عشت . وقوله : " بما قدمت أيديهم " معناه بالذي قدمت أيديهم ويحتمل أن يكون المراد بتقدمة أيديهم : فتكون ( ما ) مع ما بعدها بمنزلة المصدر . وقوله : " والله عليم بالظالمين " إنما خص الظالمين بذلك - وإن كان عالما بغيرهم لان الغرض بذلك الزجر ، كأنه قال : عليم بمجازاة الظالمين . كما يقول القائل لغيره ، مهددا له : انا عالم بك بصير بما تعمله . وقيل : انه عليم بأنهم لا يتمنونه ابدا حرصا على الحياة ، لان كثيرا منهم يعلم أنه مبطل : وهم المعاندون منهم الذين يكتمون الحق وهم يعلمون .